منبر البترا
بترا سكوب كَمَنجَة

مسلسل تشيرنوبيل .. ثمن الأكاذيب

منبر البترا- من عدي صدقه


تواصل اعمال الكوارث اجتذاب صناع الدراما العالمية ، وتلاقي هذه الاعمال عادة نجاحا باهرا خاصة اذا استطاع العمل الفني توصيف الكارثة ومقاربة ابعادها بصريا ، ونقل انعكاساتها البيئية وتأثيراتها على البنية المدنية والواقع البشري باخراج متقن وسيناريو متماسك ، يمثل تشيرنوبيل واحدا من ابرز هذه الاعمال ،    (حصل على تقييم عال من قبل جمهور الدراما . HBOالعمل الذي انتجته )

تتأتى قوة المسلسل من استناده على حادثة حقيقية وقعت في العام 1987 في اوكرانيا التي كانت تخضع في ذلك الوقت لحكم الاتحاد السوفييتي ، كارثة نووية ضربت الوعي السوفييتي اثر انفجار في مفاعل تشيرنوبيل ، تحاول السلطات انكار ضخامة الحادثة وتأطيرها في سياق الخطأ الطبيعي الذي يمكن السيطرة عليه ، ولكن سرعان ما تتحول الكارثة الى ازمة عالمية تهدد المدن السوفييتية وحتى المدن الاوربية الاخرى ، مما يدفع الاتحاد السوفييتي الى الاستعانة بالعلماء والعمال لتحييد اثار الكارثة والسيطرة على تبعاتها .

واقعية القصة

يقوم العمل على مركزية المفاعل في القصة ، بحيث يكون في صلب الاحداث ومطلقها وخاتمها ، ويظل السيناريو يدور حوله ، حتى لو لو يظهر في المشاهد ، الا ان الانطلاقة تكون من قلبه ، تبدأ الاحداث في غرفة تحكم ضخمة في جو متوتر يشوبه القلق والخشية داخل المفاعل ، انطلاقا من خطأ غير مفسر يفقد طاقم التحكم السيطرة على مجريات الامور ،  الى ان تقع  الكارثة ، مولد المفاعل ينفجر مخلفا اشعاعا نوويا ضخما يهدد الحياة البشرية في دائرة تتوسع تباعا مع انصهار المولد شيئا فشيء . يناقش المسلسل الكارثة على مستويين ، الاول : الكارثة وتبعاتها على الواقع البشري والبيئي في الدولة التي تحكمها البيروقراطية والمركزية السوفييتية ، وثانيا : الكارثة والاسباب ، تتطور احداث المسلسل في هذين السياقين ، وصولا للحظة الحسم في المحاكمة التي توضع فيها الدولة السوفييتية في قفص الاتهام ، ويتبلور السؤال الجوهري الذي دشن العمل : ما هي ثمن الاكاذيب ؟

الشخصيات .. العلم في مواجهة السلطة

تتركز الاحداث على دائرة من الاشخاص الذين يمثلون الصراع الدرامي في هذا العمل ، فمن جهة ثمة السلطة ومن يمثلها داخل وخارج المفاعل ، وعلى النقيض يتقمص العالم ” ليغاسوف ” دور العلم في مناقضة السلطة ، ويتجلى الصراع بين العلم والسلطة على حقيقة الكارثة ، والاجراءات التي ينبغي اتباعها للتخفيف من حدة الازمة ، تتمسك السلطة بكبريائها من خلال العديد من الشخصيات على رأسهم الامين العام للاتحاد السوفييتي ” غرباتشوف ” ، بينما يناضل ليغاسوف كي يثبت ان الكارثة نووية من الدرجة الاولى واخطارها على السكان تتجاوز ما فعلته القنبلة النووية التي سقطت على هيروشيما اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية ، ومع تبين اثار الكارثة واتضاح حجمها تبدأ اذرع السلطة بالتنازل عن الكبرياء السوفييتي العتيد ، وتسليم زمام الامور للخبراء الذين اثبتوا بطولة منقطعة النظير في مواجهة الكارثة ، الا ان دورا خفيا تقوم به دائرة المخابرات ( كي جي بي ) يقع بين الجهتين ، يحاول التأثير على مدير المحققين وتهديده احيانا وتحريكه في أحيان اخرى في سبيل الحفاظ على صورة الدولة السوفييتية وصناعاتها ، خاصة في ظل احتدام التنفاس مع الغرب ، وهو ما يدفع ليغاسوف الى الوقوف بين الحقيقة والاكذوبة طوال العمل ، الا ان الضمير المستيقظ الذي جسدته البطلة ( خوميوك ) يحفز العالم على السير حتى المنعرج الاخير للحقيقة.

وتبرز شخصية شربينا ، قائد اللجنة الحكومية التي شكلت لمعالجة الازمة ، كشخصية جوهرية في هذا العمل ، فهو ممثل للحكومة ويحرص كل الحرص على اثبات وجهة النظر الحكومية ، الا ان علاقته الملتبسة بالبطل ليغاسوف تجلعه ينحاز اخيرا الى الحقيقة والعلم ، وهو ما يتجلى في احدى المشاهد الختامية خلال المحاكمة

تمثل شخصيات اخرى الاستهتار المؤسسي والغطرسة السلطوية التي كانت سبببا في وقوع الكارثة ، بينما تدور بقية الادوار في السياق الانساني ، فهناك المسعف الذي يفقد حياته ، وهناك الزوجة التي تخسر زوجها بفعل الكارثة ،  اضافة لعدد من الاشكال الثانوية من الادوار في سياق العمل بين الجند الذين يخلون السكان ، والسكان الذين يهجرون مناطق سكنهم .

الادانة حاضرة 

اتهم العمل بالاساءة للاتحاد السوفييتي ، وخصوصا ان الشركة المنتجة هي شركة امريكية ، ورأى مراقبون ان حادثة تشيرنوبيل انتقلت من الحدث التاريخي ، الى الرواية الدرامية ، وخصوصا مع انتشار تقارير تتحدث عن نية شركة روسية انتاج عملا ضخما يناقض العمل الامريكي ، ويوصف الحادثة بالرواية السوفييتية ، لا يخفى على احد ان العمل يدين على نحو ما الاتحاد السوفييتي من ناحية الصناعة المتردية الضعيفة ، ومن ناحية سوء الادراة في واقع الازمة ، والاهم من ذلك يضع الاتحاد السوفييتي كدولة وكايدلوجية في محل اتهام ، التهمة التي لازال بطل المسلسل يكررها عن الاكاذيب والثمن ، يبقى العمل في سياق الدراما ، ولكل تأويله ، الا انه قارب الكارثة ببراعة مطلقة من حيث السيناريو المحكم ، والاداء التمثيلي والمشاهد البصرية التي ينتقل معها المشاهد من شاشته الالكترونية الى المدينة المنكوبة ليدور في السؤال ، سوال الحقيقة والاكذوبة .

Related posts

La casa de papel دراما إسبانية فرضت نفسها

Nisreen Abdallah

اين تكمن السعادة ؟؟

Nisreen Abdallah

Enemy at the gate

Nisreen Abdallah

اترك تعليقا

WP Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com